ابن عربي
128
فصوص الحكم
الطريقة فسروا قول النبي « أعوذ بك منك » : أي أعوذ برضاك من سخطك أو ما شاكل ذلك . ( 12 ) « ولهذا الكرب تنفس فنسب النَّفَس إلى الرحمن لأنه رحم به ما طلبته النسب الإلهية من إيجاد صور العالم التي قلنا هي ظاهر الحق » . النَّفَس هنا عبارة عن الوجود العام المنبسط على أعيان الموجودات ، كما أنه يستعمل مرادفاً لكلمة الهيولى الحاملة لصور الوجود وهي الذات الإلهية . وقد أضيف النفس إلى الاسم الرحمن من قوله عليه السلام : « إني أجد نفس الرحمن من قِبَل اليمن » . وقد ذكرنا أن من معاني الرحمة عند ابن عربي منح الأشياء الوجود وإظهارها بالصور التي تظهر فيها . فبالنفس الرحماني أظهر الحق الوجود - أو ظهر في صوره فنفَّس عن الكرب الذي كان في باطنه لأن التنفس فيه تفريج عن المكروب . وهذا التشبيه الذي لا يخلو من شناعة في حق الجناب الإلهي يشير إلى حقيقة هامة وهي أن طبيعة الوجود طبيعة خالقة تأبى إلا الظهور والإعلان عما كمن فيها ، وأن خروج ما بالقوة إلى ما بالفعل فيض دائم من وجود الحق إلى وجود الخلق - من الوجود الحقيقي إلى الوجود الإضافي . ولولا هذا الفيض والظهور لظل الوجود سراً منطوياً على نفسه يضطرب في ذات الحق كما يضطرب النّفَس في ذات المكروب . ولكلمة النَّفَس المستعملة هنا مغزى آخر يجب أن نشير إليه وهي صلتها بكلمة التكوين « كن » التي هي صورة خارجة من صور النَّفَس . ولكن هذا لازم من لوازم التشبيه الذي استعمله ابن عربي وهو مولع باستقصاء جميع لوازم تشبيهاته . ( 13 ) « ولولا التحديد ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور ولا وصفته بخلع الصور عن نفسه » . أثبت فيما مضى جواز التحديد على الحق بظهوره في صور المحدودات وحدَّه